بيلسان

............

13 April, 2006



عدنان حسين احمد - القدس العربي

لم يكن فوز فيلم راشيل كوري.. ضمير امريكي بالجائزة الفضية في مهرجان الجزيرة الدولي الثاني للانتاج التلفزيوني مفاجئاً. فلقد توفر هذا الفيلم الوثائقي الطويل مدته (80 دقيقة) علي اغلب مستلزمات الفوز وشروطه، سواء فيما يتعلق بثيمة الفيلم، والكشوفات الفكرية التي يقدّمها، او بالتقنيات الفنية التي عززت من مكانة الفيلم وقوته في الرصد والمتابعة والتحليل. وقبل الولوج في تفاصيل الفيلم الكثيرة لا بد من الاشارة الي ان جريمة قتل ناشطة السلام الامريكية راشيل كوري هي ليست المرة الاولي التي يموت فيها مواطن امريكي علي ايدي القوات العسكرية الاسرائيلية. ففي 29 آذار (مارس) 2002 قتلت القوات الاسرائيلية امراة امريكية من اصل فلسطيني عمرها 21 سنة لانها كانت تحمل طفلها في حضنها فقط! وفي الثامن من حزيران (يونيو) عام 1967 هاجمت القوات الاسرائيلية سفينة USS Liberty وقتلت (34) مواطنياً امريكياً، كما جرحت (172) آخرين كانوا علي متنها. ومثلما غُيبت هذه القضايا الكبيرة، فان مصير قضية راشيل كوري لم يكن باحسن من القضايا السابقة، بل انها اختُزلت بتوصيف حادث مؤسف لا غير! وبتبريرات سمجة مفادها ان سائق البلدوزر الاسرائيلي لم يسمعها علماً بانها كانت تنادي عليه بمكبّرة صوت! وكان لا يراها هو الآخر من النافذة الصغيرة التي تتخلل زجاجته الامامية المدرعة ضد الرصاص!

وصف تفصيلي للحادث المؤسف:

في الساعة الثالثة بعد الظهر من يوم الاحد المصادف 16 آذار (مارس) 2003، وفي مخيم رفح للاجئين، التابع لقطاع غزة المحتل آنذاك، وقفت راشيل كوري ومعها سبعة اصدقاء من ناشطي السلام بوجه البلدوزرات الاسرائيلية التي كانت تقوّض منازل الفلسطينيين، وتقتلع اشجارهم، وتجرّف اراضيهم الزراعية، وتدفن آبارهم. وقد وقفت راشيل تحديداً اما بلدورز وزنه (60) طناً كان يحاول تدمير احد المنازل، غير ان راشيل اتخذت من نفسها درعاً بشرية وتصدت للبلدوزر وهي تحمل مكبرة صوت، وقد نجحت في منعه لمدة ساعتين تقريباً من الوصول الي الدار. غير ان السائق الاسرائيلي لم يتحمل اصرار راشيل فتقدّم نحوها، وحينما اراد ان يدهسها بجرافته الامامية تسلقت الي باطن الجرافة المملوءة بالتراب والانقاض غير انه حملها في باطن الجرافة وقلَبها علي الارض فدفنت تحت التراب، ولم يكتف بذلك بل تقدم الي الامام ساحقاً اياها بنصل الجرافة الحديدي، ثم عاد الي الخلف ليجهز علي حياتها نهائياً. وفي الساعة الرابعة والدقيقة السابعة والاربعين كان ناشطو السلام ينبشون التراب ليخرجوا راشيل من تحت الانقاض، لكن بعد فوات الاوان اذ تحطمت جمجمتها، وكسرت اضلاع صدرها، واصيب عمودها الفقري بتلف كبير. وفي تمام الساعة الخامسة وخمس دقائق كانت راشيل ترقد في مستشفي النجار في رفح حيث كان الاطباء يبذلون قصاري جهدهم لانقاذها من الموت، لكن الدكتور علي موسي في المستشفي ذاته قد صرح لصحيفة ها آرتس بان سبب الوفاة يعود الي كسور في الجمجمة والصدر.

مشاعر الابوين بعد الحادث المفجع

طار الوالدان كريج وسندي كوري علي جناح السرعة الي غزة حيث استقبلهم الغزاويون استقبال الابطال، وقدموا لهما التعازي لمناسبة مصابهما الجلل، فراشيل كوري بنت الثالثة والعشرين كانت علي وشك التخرج من جامعة ايفر كرين ، ولكن نشاطها وحماسها منقطع النظير لدعم وتعزيز حركة التضامن العالمي هو الذي دفعها لان تجازف بحياتها من اجل الشعب الفلسطيني الاعزل الذي يقاوم الاحتلال الاسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية بالحجارة، ولهذا فقد كانت مقتنعة بان تكون درعاً بشرية في الاقل تمنع الآلة العسكرية الاسرائيلية من تقويض منازل الناس الفلسطينيين البسطاء، لكن التضحية كانت كبيرة حتي في طريقة موتها ومواجهتتها لمصيرها المحتوم امام العنف الاسرائيلي المفرط. وعندما عاد الوالدان الي الولايات المتحدة الامريكية وهما يحملان جثمان ابنتهما راشيل، اتصلا بعضوين من مجلس الشيوخ تمثلان ولايتهما (فهي من مدينة اولمبيا التابعة لواشنطن) وقد اعربت كل من باتي موراي وماري كانتل اللتان تنتميان الي الحزب الديمقراطي عن اسفهما الشديد لوقوع هذا الحادث المؤسف، وعبّرا عن مشاعر الحنق والصدمة، ووعدتا الاسرة المنكوبة باجراء تحقيق عادل منصف يقتص من السائق الاسرائيلي المجرم ومن الناس الذين يؤازرون هذا النوع من الجرائم اللاانسانية. وحينما عاد العضوان الي واشنطن، واستقبلهما اللوبي الصهيوني تراجعا عن الوعود التي قطعاها علي نفسيهما، ولم يلتقيا بوالدي راشيل علي الاطلاق، بل ان الادارة الامريكية لم تحرّك ساكناً بشان قضية المواطنة الامريكية التي قُتلت بشكل متعمد علي يد جندي اسرائيلي، وباموال امريكية مقتطعة من الضرائب المفروضة علي المواطنين الامريكيين. واللافت للنظر ان الادارة الامريكية لم تقدّم اي شكل من اشكال الاحتجاج ضد هذه الجريمة التي تقشعر لها الابدان، بل انها لم تستنكر اعمال العنف التي وقعت ضد اعضاء حركة التضامن العالمي حيث اصيب عدد غير قليل من المتظاهرين بجروح خطيرة، وسجن البعض الآخر منها، بينما ابعدت السلطات الاسرائيلية عدداً آخر منهم بحجة عدم الامتثال للقوانين الرسمية، وتعريض انفسهم للخطر. وقد صرح جاكوب دلال، الناطق العسكري باسم الجيش الاسرائيلي قائلاً: هذه حادثة مؤسفة جداً. ونحن نتعاطي مع مجموعة من المحتجين الذين يتصرفون بطريقة غير مسؤولة، وهم يضعون اي شخص في مواجهة خطر... الفسلطينيين انفسهم وقواتنا العسكرية . وحتي الآن لم تتخذ الادارة الامريكية اي اجراء رسمي معقول، وكانهم سجلوا القضية ضد مجهول، او يحاولون اقناع العالم بان السائق لم يرَها رغم انها ترتدي صدرية برتقالية لامعة، ولم يسمع صوتها الملعلع من مكبرة الصوت ابداً وهو يؤدي مهمته الوطنية! .

شهود عيان

لم يكتف المخرج بمتابعة الابوين كريج وسنْدي كوري وتصوير مشاعرهما الانسانية التي هزت الجميع، ولكنه سلط الضوء علي عدد كبير من ناشطي السلام، وبالذات من اصدقائها الامريكيين والبريطانيين الذين شرحوا تفاصيل الحادث المؤلم، واكدوا بالاجماع علي ان السائق الاسرائيلي كان متعمداً في جريمته البشعة، وانه لا يعير شاناً لروح اي مواطن سواء اكان امريكيا او فلسطينياً او منتمياً الي اية بقعة من بقاع العالم. احد اصدقائها من المحتجين البريطانيين عمره 18 كان علي مبعدة بضع ياردات عنها قال: كانت تعتقد بان السائق سيتوقف، ولكنه مضي في تقدمه. لقد حاولتْ ان تستوي واقفة، ولكنها سقطت علي ظهرها، وقد سحبها البلدوزر تحت نصله، بينما كان اربعة من المحتجين العالميين يلوحون للسائق، ولكنه واصل تقدمه وكانت هي تحت هيكل البلدوزر بالكامل. ثم يمضي الي القول لم استطع ان اصدق ما حدث. كنت متاكداً من ان السائق سيتوقف.. وعندما وصلنا اليها بعد ان استدار السائق وتراجع ساحقاً اياها مرة ثانية، كانت حية، ولكن الدم كان يغطي وجهها بالكامل . وقد اوضح التحقيق الابتدائي بان حادثة القتل غير متعمدة، وان النوافذ في الزجاج المدرع للبلدوزر كانت صغيرة، ولا تتيح المجال الا لرؤية محدودة جداً.
لا شك في ان تصريحات راشيل كوري لوسائل الاعلام قد اغاظت المسؤولين الاسرائيليين، فهي تري ان الآلة العسكرية الاسرائيلية تدمّر كل يوم المنازل الفلسطينية تدميراً ممنهجاً! لكن الفلسطينيين لديهم قدرة عظيمة علي المقاومة والبقاء. اما زميلتها في الدراسة آنا فيشيل فقد اكدت بان كوري كانت تتبع قناعاتها في هذا الصدد، ولم تعر شاناً للمخاطر التي قد تواجهها. اما المتحدث الرسمي باسم السفارة الامريكية في اسرائيل فقد رفض الادلاء بالتصريحات بشان الحادث ولكنه اكتفي بالقول ان وزارة الخارجية قد حذرت الامريكيين من السفر الي الضفة الغربية وقطاع غزة . وعلي مدي (80) دقيقة كانت هناك ثمة حوارات، ومقابلات مؤثرة جداً سواء مع الفلسطينيين الذين عاشت معهم راشيل او مع اعضاء حركة التضامن العالمي او مع اصدقائها وصديقاتها في الجامعة، او مع امها وابيها وشقيقتها، ولعل من المفيد الاشارة هنا الي الرسائل المعبرة التي كانت تبعثها الي والديها والتي تترك اثراً عميقاً في النفس البشرية، وهي تصور فيها مشاعر الخوف والقلق التي تنتاب الفلسطينيين الذين كانت تقابلهم او تعيش معهم، فلقد شاركتهم حياتهم اليومية، وتقاسمت معهم خوفهم علي منازلهم ومزارعهم وآبارهم، هذا اضافة الي خشيتهم علي حياتهم الشخصية التي يهددها الجيش الاسرائيلي في كل لحظة. لقد وصفت في هذه الرسائل الطبيعة الهمجية للعدوان الاسرائيلي المتواصل علي الاراضي الفلسطينية، بل انها شبّهت ما يحدث بـ الابادة الجماعية وان الحياة في غزة تكاد تكون ضرباً من المستحيل! وحسناً فعل المخرج يحيي بركات حينما بدا الفيلم بلقطات قصيرة تصور بلدوزرات الكاتر بيلر وكأنها نوع من الديناصورات القديمة التي حوّلت ضاحية رفح الي كومة من النفايات المكدسة من انقاض المباني التي دمرتها الجرافات الاسرائيلية، لينتهي الفيلم بتعليقات الوالدين، وبوحهما العميق الذي يكشف عن حبهما لراشيل، وتعلقهما بهذه الفتاة التي نذرت نفسها، وضحت بحياتها من اجل قضية انسانية لم يعد يختلف عليها اثنان. وربما تكون القصيدة التي كتبتها راشيل هي خير خاتمة لهذا الفيلم الناجح الذي حرّك مشاعر المشاهدين، وكشف لهم بعض الحقائق التي كانت مخبأة عن اعين الناس في كل مكان. والقصيدة تكشف في بعض جوانبها شوق الاطفال الفلسطينيين للذهاب الي البحر والتمتع بمياهه، ورمله، وساحله، لكنه ممنوع علي الفلسطينيين، ومحجوب عنهم بقوة السلاح. ربما حاول الفلسطينيون ان يردوا هذه التضحية الكبيرة بتخليد ذكراها هنا وهناك في المدن الفلسطينية، فالجمعية الخيرية التي تم تأسيس مقرها في غزة يحمل اسم راشيل كوري، كما ان العديد من المؤسسات والمنظمات الانسانية سميت باسم كوري، وهذا امر طبيعي، ولكننا يجب ان نحفر اسمها في ذاكرة العقل والقلب معاً، ونستذكرها دائماً، لكي نكون بمستوي تضحيتها الكبيرة التي تستحق رفع القبعة والانحناء لها، عندما نعلّق علي اغصان الشجرة التي غرسها الوالدان في مكان الحادث وكانَّ لسان حالها يقول ان دماء راشيل الزكية ستسقي هذه الشجرة، وتمدها باكسير الحياة. وانني لموقن تماماً بان من يقف امام هذه الشجرة الخالدة سيري رؤيا اليقين ملامح راشيل في شكل شجرة الحرية التي نتمني ان يكون اصلها ثابتا وفرعها في السماء.
بقي ان نقول ان المخرج الفلسطيني يحيي بركات هو استاذ لمادة وسائل الاتصال العامة وتحديداً في قسم الانتاج التلفزيوني في جامعة القدس في فلسطين. وقد صوّر نحو (80) ساعة توزعت في قطاع غزة، والضفة الغربية، وواشنطن خلال سنتين عقب الحادث مباشرة. وقد صنع يحيي بركات كولاجاً وثائقياً لهذا الحادث الجلل، وقد ضم اصواتاً شريفة لرسل السلام الامريكيين والبريطانيين الذين يقفون الي جانب القضية الفلسطينية المشروعة، ويتصدون للعقوبات الجماعية التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي المحتل الذي تسانده الادارة الامريكية بقوة، وتدعمه وسائل الاعلام الامريكية اليمينية المتطرفة.
ناقد من العراق يقيم في هولندا
0
QPT3

0 Comments:

Post a Comment

<< Home