بيلسان

............

27 June, 2006

اعتقال الآلاف خبر لا يهم تلفزة المغرب



شيء ما يحدث بالمغرب.
شيء يشبه لعبة القط والفأر، لكن هنا تدور بين السلطات الامنية وجماعة العدل والاحسان الاصولية (نصف المحظورة ونصف المقبولة) التي يجد المخزن صعوبة في ترويضها مثلما روّض حزب العدالة والتنمية مستفيدا من ظروف دولية واقليمية نزلت عليه من السماء.
قالت العدل والاحسان مرة ان سنة 2006 بالمغرب ستشهد حدثا عظيما فوقف المغرب حابسا انفاسه ينتظر الحدث الجلل.
كثيرون توقعوا انه سيكون نوع من الانقلاب او الثورة علي العرش لان العدل والاحسان تفضل ان تضرب فوق عملا بالقول الفرنسي المأثور الافضل لك ان تتوجه الي الرب بدل ملائكته .وعندما لم يحدث شيء، رغم اننا في منتصف العام وامامنا ستة شهور اخري، سخر صحافيون ومعلقون، ربما خانهم الصبر واستعجلوا الامر، وقالوا ان المقصود هي 2006 هجرية!
غير اننا سنستطيع ان نقول ان نبوءة الجماعة الاصولية تحققت فها هي تنظم جلسات وعظ سياسي اسمتها مجالس النصيحة ، يرد عليها المخزن بحملة مضايقات ومطاردات فريدة من نوعها في تاريخ العلاقة بين القط والفأر، وتبدو شاذة في العهد الجديد .
فالقوي الامنية تلاحق اتباع العدل والاحسان وتعتقل منهم المئات علي الطريقة المصرية مع الاخوانجية .. ايقاف عشرة هنا، الافراج عن ثلاثة هناك، اعادة اعتقال هنالك.. الخ.
يعني لا احد مطمئن، لا قوي الامن مرتاحة ولا اتباع العدل والاحسان في مأمن من الملاحقة، وان كنت اشعر ان المخزن هو الواقع في حرج لانه لا يدري ما يفعل بالاف الرجال لا تهمة واضحة بحقهم، الافراج عنهم مشكلة والقاؤهم بالسجون مشكلة اكبر لان الدولة ستكون مسؤولة عن طعامهم وملبسهم ونومهم وحراستهم، وفوق ذلك مطالَبة بالرد علي اسئلة الهيئات الحقوقية المحلية والدولية، وهاته صداع ما بعده صداع اذا ما تسلطت عليك وبدأت تنق علي رأسك.الي غاية كتابة هذا المقال يكون عدد الموقوفين قد بلغ نحو الفين، نساء ورجال.
وحتي صدوره قد يرتفع العدد بضعة مئات اخري. لكن اين التلفزيون من كل هذا؟ الا يشكل اعتقال الفي مواطن حدثا يستحق الذكر في نشرات الاخبار؟ دعك من حق المواطن في الاعلام وغيرها من الشعارات التي تعلمناها نظريا، ودعك من واجب وسائل الاعلام العمومية امام مشاهديها . بل الخبر مجرد من كل الاعتبارات، ألا يستحق الذكر. واذا كان اعتقال الفي مواطن او اكثر، مهما كانت ايديولوجيتهم او صفاتهم السياسية، ومهما كانت وظائفهم ومواقعهم الاجتماعية، وتشميع عشرات وربما مئات البيوت والمقرات، لا يشكلان خبرا في نشرات التلفزيون، فما هو الخبر اذاً؟
هل استورد المغاربة تجربة مصر؟اكاد اقول نعم، فمصر ام الدنيا والمصريون روّاد في كل شيء، وعمر العصا المصرية مع الاخوان يساوي عمر المغرب المستقل. اجد وجه شبه غريب بين ما يحدث في المغرب والتعاطي معه، وبين ما يحدث في مصر مع الاخوانجية منذ وعيت علي اخبار السياسة. الامن المصري يعتقل بالمئات لكن التلفزيون بقنواته التي لا حصر لها مطنش كأن ذلك لا يعنيه او يحدث في نيكاراغوا.لكن التلفزيون المصري اخذها بالساهل، فبالنسبة لاهله، وتماشيا مع هوي السلطة، الاخوان غير موجودين.
وعندما تنازل وذكرهم بالاسم اثناء الانتخابات النيابية الخريف الماضي، كان ذلك ضمن سلسلة حلقات تلفزيونية هي اشبه بمجالس الغيبة والنميمة، لان لا احد من الاخوان كان يحضر، والحلقات اياها صيغت اصلا لتشويه سمعة الجماعة والتأثير علي الناخبين. وعندما يأتي موسم الاعتقالات، تضرب القنوات التلفزيونية حصارا علي اخبارهم الا نادرا جدا مثل يوم اعتقال القيادي حسن الحيوان، في الانتخابات الماضية، بتهمة اشهار سلاح ابيض فتلقف التلفزيون الخبر مشددا علي موضوع السلاح ليقول للناس ان الاخوان اهل عنف وارهاب فلا تصوّتوا لهم.
فضلا عن ان التسمية كانت دائما جماعة الاخوان المسلمين المحظورة حتي تشعر ان المحظورة جزء من الاسم.وما ان انتهت الانتخابات وفضت المجالس حتي رجع تلفزيون الريادة (حق التأليف لصديقنا وزميلنا بهذا المكان سليم عزوز) الي اتباع سياسة اطفاء الضوء علي خصوم السلطة عموما و الاخوانجية خصوصا.في التلفزيون المغربي، بقناتيه الرئيسيتين، لا وجود لكلمتي العدل و الاحسان كأنهما انقرضتا من اللغة العربية كما انقرض حرف الكاف من اللغة التركية لانه يحيل الي كرد واكراد.
والحجة في المغرب ان العدل والاحسان غير معترف بها رسميا، وبالتالي لا مكان لها في الاعلام ـ الرسمي علي الاقل ـ لانه يتعامل وفق قوانين واضحة. والحجة الاخري ان الاعلام ـ الرسمي علي الاقل ـ لا يجب ان يقع في فخ منحها دعاية مجانية لا تستحقها.طبعا، هذه حجج واهية، فلو تطلب الظرف او هوي المخزن ان تُذكر العدل والاحسان بالاسم بغرض الاساءة لها لحدث ذلك غدا وسبقت اخبارها اخبر صاحب الجلالة وكل الاخبار الاخري.العقل يقول ان تجاهل حملة اعتقالات محددة في الزمان والمكان وتشمل الاف المواطنين، يصبح مسخرة ويضر بمن قرروه ونفذّوه اكثر مما يضر العدل والاحسان ، بغض النظر عن الموقف من الجماعة ومن ارائها المتطرفة سياسيا ودينيا.بيد ان داود لا يزال يبحث عمّن يقرأ مزاميره.

توفيق رباحي


1 Comments:

Anonymous Anonymous said...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مشكور أخي الكاتب على المقال الرائع

وهو كما قلت، ممنوع على الإعلام السمعي والبصري في المغرب نطق كلمة العدل والاحسان

Monday, December 11, 2006  

Post a Comment

<< Home