بيلسان

............

15 July, 2007

العطش في بلاد النيل العظيم

نيل الغرقي والعطشانين عزت القمحاوي من القدس العربي

صابرلم تكن لديه أية قدرة علي الصبر. نحيل الجسد، يعاني من عرج خفيف يلازمه منذ صباه من أثر شلل الأطفال، لكنه لم يتآلف مع عاهته أبداً ولم ينس ثأره عند الطبيعة التي جعلته يحجل في مشيه ويتعب من أقل مجهود، وكانت نار الغضب الكامنة في قلبه تولد لديه مجازاً عنيفاً يصير مثلاً، وكان حتي من يستهدفهم بسبابه أو سخريته، يرددون مسبتهم بتسامح وابتسام، فإن قلت له إن فلاناً سيدخل النار لظلمه يبادرك علي الفور: النار؟! هكذا ببساطة؟!
إنهم سيصهرونه ويصبونه أحذية للكفار يدخلون بها جهنم! ولايزال الكثير من مجازات صابر المدهشة يتردد كالأمثال، ومنها أن مخه يسيح ويسيل من أذنيه، يقولها تعليقاً علي الوقائع المدهشة التي يعبر الناس عن عدم منطقيتها بأنها غريبة أو غير معقولة أو حتي مذهلة !وفي إحدي المناوشات مع قدره مضي الرجل إلي حيث يمضي الجميع بعد أن ترك مجازه المؤذي، وقبل أن يقرأ العناوين الرئيسية للصحف المصرية صباح أمس الجمعة.
نشرت الصحف أن الرئيــــس أصدر توجيهاته بتقديم المساعدات لضحايا الفيضان في السودان. واستـــمع من وزير الري إلي الاستعدادات والإجراءات الاحترازية لمواجهة موسم الفيضان.ولأن جسد صابر لم يعد فيه من الماء ما يكفي لإسالة مخه، أو تحريك لسانه بسخرياته المريرة، صار لزاماً علي أحد أن يتقدم ويحمل راية الاستعجاب.أعاد الخبر تذكيرنا بأن هناك نهراً في مصر نيلنا العظيم ذاك الذي امتدح أمل دنقل شيخوخته في قصيدة شهيرة، يستعطف فيها الفرعون علي النهر بما أسدي من أفضال للعشاق في الزوارق الليلية. وكان استعطافاً غير موفق من الشاعر انتهي برفض حق النيل في ممارسة الحرية.
وكان علي أمل أن يعرف أن المرء إما أن يكون عاشقاً أو فرعوناً، وفي اللحظة التي يعرف فيها الفرعون الحب يكف عن أن يكون فرعوناً. ناهيك عن أن الاحتفاء بالعشق والعشاق كان أهون أفضال النيل الذي فاز بشهادة من هيرودوت نرددها حتي الآن مصر هبة النيل .وقد ظل النيل حاضراً بعنفوانه في حياة المصريين يفيض غضباً أو بهجة لامبالية فيكنس في طريقه القري، وعندما يقضي من الأرض وطره يهدأ وينسحـــب مخلفاً طبقات جديدة من طين الحياة.اعتاد المصريون لآلاف السنين نزوات النيل وهياجه الصيفي، حتي أقيم السد العالي.
وعلي أهمية المنافع العملية للمشروع العملاق، فقد كان نوعاً من إخصاء النهر الذي لم يعد قادراً إلا علي تسريب بلله المتثائب، بينما أخذت صورته تبهت وتتلاشي، خصوصاً في المدن حيث تعرضت الشواطيء للخصخصة، لصالح الكازينوهات الخاصة واستراحات الهيئات المتنفذة في الدولة. وأصبحت قوة الأفراد والهيئات تقاس بحجم القطعة التي يستطيع التهامها من جسد نهر تساقطت أسنانه في الفم.غابت صورة النيل تقريباً بعد أن غاب غضبه وابتهاجه، وتدريجياً غابت ذكراه، حتي إذا عطشت القري في الدلتا لم نستشعر إلا القليل من الاستغراب.وكان اكتشاف وجود النهر في مانشيتات صحف اليوم، بل واكتشاف أنه لم يزل يفيض هو المفارقة التي تسيل الأمخاخ، والألم الذي يفتت الأكباد!التعليم كالماء والهواء كانت عبارة طه حسين الشهيرة للتأكيد علي دعوته إلي مجانية التعليم، التي تبنتها ثورة يوليو وبددها الانقلاب الانفتاحي مثلما بدد الكثير من الحقوق. وكان آخر ما يتصوره عقل أن تنسحب اللامساواة علي بديهية الحق في الهواء والماء، أو تنقلب المعادلة بكاملها فيصبح الماء والهواء كالتعليم حقاً للأغنياء فقط!حق الهواء النظيف ـ بعد أن طال التلوث كل المدن والقري ـ بات حكراً علي مرتادي المصايف والمشاتي بعيداً عن وادي النيل الذي صار عنواناً للفقر والرثاثة.ولايستطيع الأثرياء التمتع بالهواء والماء المالح وحده، فسحبوا الماء وراءهم؛ ماء الشرب الذي أنفقت الأموال علي تنقيته، وهم لايشربونه، لأن المياه الفرنسية متوفرة، لكنهم يروون به حدائقهم ويملأون حمامات السباحة، وليتدبر الفقراء أمرهم من دون شربة ماء طالما استطــاعوا أن يتدبروا حياتهم من دون نسمة هواء نظيفة.وصار العطش سمة في السنوات الماضية مع بدء موسم الاصطياف.
وطالت الظاهرة أحياء راقية بالعاصمة مثل حي مدينة نصر، لأن المياه سرقت من أجل منتجعات الضواحي الأكثر رقياً. وأصبح كوب الماء، رغم أنه ليس نظيفاً تماماً، مطلباً عزيز المنال، ووزير التنمية المحلية يعترف في الصحف أن المصايف سحبت المياه فعطشت القري.
وهذا الاعتراف وحده كفيل بحل الحكومة ومحاكمة الوزير، لكن المسافة كبيرة بين شرم الشيخ وكفر الشيخ. ولايمكن لمن يري عبوات المياه المعدنية الفرنسية متوفرة في سلاسل السوبر ماركت الشهيرة أن يقتنع بعدالة قضية القري العطشانة، ثم ماذا أكل هؤلاء ليشربوا عليه؟!لكن احتمال الجوع ليس كاحتمال العطش، والسوبر ماركتات العالمية لم تصل بعد إلي القري، ولذلك تطور الاحتجاج من الغضب الصامت إلي الشكوي عبر أجهزة الإعلام إلي ثورة العطشانين حيث تتوالي الاحتجاجات والاعتصامات في قري البحيرة وكفر الشيخ (غير شرم الشيخ انتبهوا).أصبح علي النهر الواحد ضحايا الغرق في الجنوب، وضحايا العطش في الشمال، وهذا أعجب ما جري للنيل الذي أحبه الشعراء والبسطاء، حتي جاء من لووا خزامه وأكرهوه علي الخدمة بالسخرة في قصورهم الساحلية. وصرنا نسمع في شطه الجميل ـ عندما نتمكن من الوصول إليه ـ ما قالت الريح للنخيل: مش حاجة تسيح المخ؟

0 Comments:

Post a Comment

<< Home