بيلسان

............

11 March, 2007

طارق عزيز.. عزيزاً

معن بشور - القدس العربي

بين اكاذيب الحرب الامريكية علي العراق، او حرب الاكاذيب الامريكية (لا فرق)، كانت تخرج، من حين لآخر، اكذوبة، معروفة المصدر والاهداف، لا تخلو من ايحاءات طائفية ذميمة، تقول ان طارق عزيز (عضو القيادة القومية لحزب البعث، ونائب رئيس مجلس الوزراء العراقي) قد انهار في السجن وقد ادلي باعترافات ضد رئيسه ورفاقه.ورغم محاولات النفي المتكررة التي كان محامي طارق عزيز السيد بديع عارف يطلقها، ورغم ظهور عزيز نفسه متماسكاً صلباً كشاهد ـ بلباس النوم ـ خلال احدي جلسات المحاكمة بقضية الدجيل التي اعدم بموجبها الرئيس صدام حسين، الا ان هذه الاشاعة ـ الاكذوبة بقيت تطل علينا بعد ذلك بين الفينة والاخري في بعض وسائل الاعلام حتي كان ظهوره الاخير، كشاهد ايضا، امام المحكمة في قضية الانفال..
فوضع حدا لكل الاقاويل، واثبت انه كسائر رفاقه، عزيز النفس، طارقاً ابواب الحرية، صلب المبدأ، قوي الشكيمة، لا يخاف ـ وهو ذو القلب المتعب والجسم المثخن بالامراض ـ الاحكام مهما قست، بل يعجل فيها من خلال وقفته الشجاعة هذه امام المحاكمة.
وقفة طارق عزيز امام المحكمة اللاشرعية واللاقانونية تعيد الي الاذهان وقفة اخري كانت له في مطلع عام 1991 في جنيف حيث التقي وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية آنذاك جيمس بيكر (احد رئيسي لجنة دراسة اوضاع العراق والتي دعت في تقريرها الشهير المعروف بتقرير هاملتون ـ بيكر الي مراجعة جذرية للاستراتيجية الامريكية المعتمدة في العراق والمنطقة)، في محاولة اخيرة لمنع الحرب الامريكية الاولي علي العراق والتي بات واضحا اليوم ان هدفها الحقيقي كان احتلال العراق وتدميره ووضع اليد، بشكل كامل، علي موارد المنطقة النفطية.بعد الاجتماع، وقف الرجلان امام الاعلام يتناظران حول الازمة الناشئة انذاك امام عالم محبوس الانفاس، يحاول استكشاف المصير الذي ستؤول اليه تلك الازمة، حربا ام تسوية، فظهر للجميع، مؤيدين لعزيز او معارضين له، قدرة ممثل العراق انذاك علي ان يجمع بين هذا القدر من الرصانة السياسية والشجاعة الادبية، وبين هذا المستوي العالي من اللغة الدبلوماسية وذاك القدر المتميز الصلابة المبدئية، حتي قيل يومها ان الهزيمة الاعلامية المدوية لوزير خارجية الدولة الاقوي في العالم امام وزير خارجية العراق قد ساهمت في التعجيل بالحرب العسكرية التي وعد بها المسؤولون الامريكيون يومها بان تعيد العراق ـ الفتي الغني القوي آنذاك ـ الي العصور الوسطي.يومها كما اليوم، شعر كل عربي، أيا كان موقفه من النظام الذي كان عزيز من ابرز اركانه، بشيء من الاعتزاز بانه ما زال هناك مكان للكرامة في مهرجان الذل الرسمي العربي المديد، وما زال هناك موقع للكفاءة الدبلوماسية الرفيعة في زمن الانحطاط المهني والاخلاقي المتمادي الذي يلف العديد من المسؤولين العرب، وما زالت هناك لحظة للشجاعة النادرة في عصر الجبن والعجز والتواطؤ المهيمن علي مجمل الواقع الرسمي العربي.
وتبرز في ذلك كله مفارقة تستحق الاهتمام، اذ كيف يكون العراق بأسره مفتوحا علي كل هذه المحاولات الرامية الي تمزيقه عرقيا وطائفيا ومذهبيا، فيما سجون الاحتلال تغلق ابوابها، وخصوصا مطار بغداد بالذات، علي مجموعة من رجال العراق ونسائه المتحدرين من كل مناطق العراق وبيئاته العرقية والدينية والمذهبية يتسابقون علي الاستخفاف بالاحتلال والاستهتار بأساليبه والازدراء بادارته.ويبقي، السؤال هنا، اي مباديء وافكار تستطيع ان تجمع هؤلاء كل هذه المدة، لا فرق بين ايام النضال السري، وعقود الحكم والسلطة، وسنوات السجن الامريكي المستمرة، واي ايمان يمنحهم كل هذه الصلابة. فهل نحن معهم امام بقايا ماض لعراق موحد عزيز منيع يقاوم حاضرا محاصرا بالاحتلال والفتنة ليحول دون غد مثقل بالتقسيم والتفتيت والحروب الاهلية؟
ام نحن امام طلائع عراق عربي جديد يولد من رحم مقاومة ابنائه الباسلة، محولا من خلالها آلام مخاض الاحتلال والفتنة الي ارهاصات الحلم الذي يستعيد فيه العراق وحدة ارضه وشعبه، وعروبة هويته، ويحافظ علي ثرواته وموارده وتراثه الحضاري العريق، وينجز مصالحة وطنية تدفن الثارات والصراعات العبثية ويبني تعددية نظامه السياسي المستفيد من كل اخطاء الماضي وتجاربه.اسئلة يطرحها علينا اليوم صمود طارق عزيز وشجاعته، كما يطرحها استعداد طه ياسين رمضان لتنفيذ حكم الاعدام الصادر بحقه عن محكمة تمييز يفترض ان تنقض حكما لصالح المحكوم، او تصادق عليه، ولكن لم نسمع بمحكمة تمييز او استئناف اعادت النظر بحكم قضائي لتصدر حكما اشد قسوة.فإلي متي يبقي العراق مسرحا دمويا لقتل يومي، سواء في ساحاته العامة ام في سجونه المغلقة، في اسواقه الشعبية ام في مواكبه الدينية.الم يقولوا لنا انهم جاءوا الي العراق لكي ينقذوه من معاناته..انها الكذبة الامريكية الاكبر..
في زمن اكاذيب الحرب الامريكية.. او حرب الاكاذيب الامريكية لا فرق.وتبقي اهمية شهادة طارق عزيز الشجاعة تذكرنا بصرخة ذاك الطفل الذي رأي مليكه عاريا فصرخ معلنا هذه الحقيقة وسط اهازيج المنافقين وطبولهم وهتافاتهم التي كانت تري في عري الملك افخر انواع الملابس واكثرها اناقة.

0 Comments:

Post a Comment

<< Home